الشنقيطي

86

أضواء البيان

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( وَقَضَى رَبُّكَ ) * معناه : أمر وألزم ، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه . وقال الزمخشري : * ( وَقَضَى رَبُّكَ ) * أي أمر أمراً مقطوعاً به . واختار أبو حيان في ( البحر المحيط ) أن إعراب قوله * ( إِحْسَاناً ) * أنه مصدر نائب عن فعله . فهو بمعنى الأمر ، وعطف الأمر المعنوي أو الصريح على النهي معروف . كقوله : إِحْسَاناً ) * أنه مصدر نائب عن فعله . فهو بمعنى الأمر ، وعطف الأمر المعنوي أو الصريح على النهي معروف . كقوله : * وقوفاً بها صحبي على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمل * وقال الزمخشري في الكشاف : * ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) * أي وأحسنوا بالوالدين إحساناً . أو بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً . * ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا * وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً * وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِى الاٌّ رْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الاٌّ رْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذالِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا * ذَالِكَ مِمَّآ أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَاهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا * أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَاذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا * قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالاٌّ رْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَاكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا * وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاٌّ خِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا ) * قوله تعالى : * ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ) * . الضمير في قوله * ( عَنْهُمُ ) * راجع إلى المذكورين قبله في قوله : * ( وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) * . ومعنى الآية : إن تعرض عن هؤلاء المذكورين فلم تعطهم شيئاً لأنه ليس عندك . وإعراضك المذكور عنهم * ( ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ) * أي رزق حلال . كالفيء يرزقكه الله فتعطيهم منه * ( فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ) * أي ليناً لطيفاً طيباً . كالدعاء لهم بالغنى وسعة الرزق ، ووعدهم بأن الله إذا يسر من فضله رزقاً أنك تعطيهم منه . وهذا تعليم عظيم من الله لنبيه لمكارم الأخلاق ، وأنه إن لم يقدر على الإعطاء الجميل فليتجمل في عدم الإعطاء . لأن الرد الجميل خير من الإعطاء القبيح . وهذا الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، صرح به الله جل وعلا في سورة ( البقرة ) في قوله : * ( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ) * ، ولقد أجاد من قال : قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ) * ، ولقد أجاد من قال : * إلا تكن ورق يوماً أجود بها * للسائلين فإني لين العود * * لا يعدم السائلون الخير من خلقي * إما نوالى وإما حسن مردودي * والآية الكريمة تشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يعرض عن الإعطاء إلا عند عدم ما يعطى منه ، وأن الرزق المنتظر إذا يسره الله فإنه يعطيهم منه ، ولا يعرض عنهم . وهذا هو غاية الجود وكرم الأخلاق . وقال القرطبي : قولاً * ( مَّيْسُورًا ) * مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر